فخر الدين الرازي

133

القضاء والقدر

الحجة الثامنة : قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً . وَهُمْ يُخْلَقُونَ « 1 » ومعلوم : أنه قد دعى من دونه : المسيح ، والملائكة ، وفرعون ، ونمرود . وهذا النص يقتضي أن واحدا من هؤلاء لم يخلق شيئا . لأن قوله : لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً : نكرة في النفي ، فيفيد العموم . كما إذا قال الرجل : ما رأيت شيئا ، وما سمعت خبرا ، وما أكلت لقمة ، فإنه يفيد العموم . وأيضا : قوله : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يفيد العموم في الكل . لأنا بينا في أصول الفقه : أن هذه الصفة تفيد العموم « 2 » ، والمعتزلة يسلمون ذلك ، وعليه بنوا مذاهبهم في مسألة الوعيد . الحجة التاسعة : قوله تعالى : هذا خَلْقُ اللَّهِ . فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ « 3 » والمراد من هذه الرؤية : العلم . لأن سياق الآية يدل على أن المراد منه : تميز ذات اللّه تعالى عن سائر الذوات بصفة الخالقية . وهذا التميز لا يحصل إلا إذا حملنا هذه الرؤية على العلم . وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان الحيوان خالقا لفعل نفسه ، لوجب أن يقول الكفار عند سماع هذه الآيات : إنا قد خلقنا الإرادات والكراهات والخواطر والحركات والسكنات ، فلما لم يقل أحد من الكفار ذلك ، علمنا أنه لا خالق إلا اللّه . فإن قالوا : العبد ليس خالقا لفعل نفسه ، وإن كان موجدا لها . فالجواب : ما سبق . وباللّه التوفيق . الحجة العاشرة : قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ . وَما تَعْمَلُونَ « 4 » وجه الاستدلال : أن النحويين قالوا : لفظ « ما » مع ما بعده في تقدير المصدر . فقوله : وَما تَعْمَلُونَ معناه : وعملكم . وعلى هذا التقدير ، صار معنى الآية : واللّه خلقكم وخلق عملكم . فإن قيل : هذه الآية حجة عليكم من وجوه : الأول : إنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخا لهم على عبادة الأصنام ، لأنه تعالى بيّن أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام ، والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق ، فلما تركوا عبادته - سبحانه - مع أنه خالقهم . ثم عبدوا الأصنام ، لا جرم أنه - سبحانه - وبّخهم على هذا الخطأ العظيم . فقال : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ؟ وَما تَعْمَلُونَ ؟ ولو لم يكونوا فاعلين

--> ( 1 ) سورة النحل الآية 20 . ( 2 ) انظر في القول بأن النكرة في النفي تعم أولا ؟ المحصول للرازي 1 / 369 ؛ التحصيل من المحصول للأرموي 1 / 344 ؛ البرهان للجويني 1 / 337 ؛ المستصفى للغزالي 2 / 36 و 49 ؛ والمنخول له أيضا ص 146 ؛ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2 / 226 ؛ شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول للقرافي ص 181 ؛ كشف الأسرار ؛ شرح أصول فخر الإسلام البزدوي 2 / 12 ؛ إرشاد الفحول للشوكاني ص 119 . . ( 3 ) سورة لقمان الآية 11 . ( 4 ) سورة الصافات الآية 96 .